مشاركة الكاتب ياسر المهدي في فقرة سليط اللسان

 ما خطه سيف اللسان


لم يكن يدري أن لسانه وهو يقطر سما في صدور الآخرين كان يكتب بمداد الخطيئة شهادة سقوطه وأن كل كلمة أطلقها كالسهم لم تمت في الهواء بل اتخذت من ذاكرة ضحاياه مقرا ومن صمتهم شاهدا ومن الأيام موعدا لعودتها إليه


فالسكين تترك جرحا تراه العين أما الكلمة الجارحة فتمضي إلى مواضع لا تصل إليها الأيدي تخلع الأمان من قلب وتطفئ في روح شمعة كانت تقاوم عتمة العالم وتترك خلفها إنسانا يضحك أمام الناس بينما ينحني في داخله ليل طويل ليلم شظايا نفسه


ووحدها النهاية التي يخطها هي


أن يستيقظ ذات يوم فلا يجد حوله خصما واحدا يرد عليه ولا صديقا يختلف معه ولا قلبا يخشى عليه من قسوة كلماته سيظن أول الأمر أنه انتصر حتى يكتشف أن المعارك انتهت لأن أحدا لم يعد يرى في البقاء معه ما يستحق القتال


عندها سيبحث عن يد تمتد إليه فلا يجد إلا أصابعه التي اعتادت أن تشير إلى عيوب الناس وسيقف أمام مرآته يفتش عن وجه يلومه على وحدته فترد إليه المرآة صورته كاملة بلا شهود يدافعون عنه وبلا ضحايا يتهمهم وبلا ضجيج يحجب عنه صوت الحقيقة


سيعرف متأخرا أن الاعتذار لا يعيد دائما ما كسرته الإهانة وأن بعض القلوب حين تغادر لا تترك وراءها بابا موصدا بل تسحب معها الطريق كله


وهنا تكون الخاتمة التي لم يحسب حسابها أن يشيخ لسانه الذي لم يتعب من إيذاء الناس ثم يحتاج إلى كلمة حانية تنقذه من قسوة العالم فلا يجد في ذاكرة أحد كلمة واحدة يتكئ عليها


فليس أقسى من أن يفقد الإنسان محبة الناس إلا أن يكتشف أنه كان يطردها من حياته بيديه ثم يقضي ما تبقى من عمره يطرق أبوابا لم يغلقها الآخرون في وجهه انتقاما بل أغلقوها كي ينجوا


مستشار الهيبة

يـ


ـاســر الــمــهــدي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مثل صخرة..بقلم الكاتب أيمن دراوشة

أتضحك؟ بقلم المبدع الأستاذ أشرف همام

عصفور عهد..بقلم د.طارق العرابي