رحلتي بين شك الظاهر و يقين الباطن.. بقلم المبدع أشرف همام

 ليلة أمس عدت أراجع قصة الكفيف قبل أن أنام ، وجدت فيها الكثير الذي يشبهني ، نويت بعدها تغيير الكثير من مفاهيمي وتحديد إطار لشخصيتي ، وقبل أن أسمع قصة البصير ، وددت لو تنقل لي ردة فعل الكفيف .


نظر إليّ ثم حولّ وجهه عني ، ودون أن ينظر إليّ قام ليقبِّل رأسي ، ثم أردف قائلًا : "أنا لم أحب أحدًا من قبل لكني أحببتك" .


قم وقبِّل رأس العم " عارف" ، فهو أحق بذلك ، وعليك زيارته من حين لآخر ، فهو يحب الخير لكل الناس وعلينا محبته .


في طريق عودتنا لمنزله، طلب مني التوقف في وسط "برزان" أعرق أسواق مدينة حاتم الطائي "حائل "، وكأن الكرم هبط على قلبه دفعة واحدة . دخل محل لعب أطفال وغاب فيه كثيرًا ، علمت أنه يود شراءها جميعًا ، أو يحتار في الإختيار ، وقفت خلفه وجدته، ممسكًا بدمية حجمها أكبر من حجم ذات الثلاث ، ويسأل البائع : أهذه أفضل ما لديكم؟


أجل ! إنها : تتكلم ، تضحك ، تغني تمشي ، وتتحرك .


لكن ! هذه مشكلة ! إذًا تحتاج استبدال طاقة بطارية باستمرار . أليس لديكم مثلها تعمل بدون بط..... 

 

فاجأته بالصوت خلفه يقطع آخر قصاصة لصورة ممثل مبتديء ، ويسد فوهة الأمل الخادع ، ودعواته الباطلة في وأد لحظة تعاش ، لأجل لحظة بعيدة قد لا تعاش .


هاتها ! واذهب لدفع ثمنها لدى المحاسب ثم إلحق بنا في السيارة.


حكيت له أثناء احتضانه فرحته : ذات مرة إشتريت قطارين لإبنييّ ، أخفيت واحدًا ، ثم جلسنا على الأرض ندمج قطبان الآخر وتوصيل عرباته ، كان منظره ممتعًا أثناء دورانه في مساره الدائري ، يطلق صافرته بين فينة وأخرى.


أخذت أسألهم ، لا أرى سائقًا كيف يسير وينعطف؟ رد الصغير : السائق بالداخل .. وكان رد الكبير : لا يوجد سائق من أين يدخل؟ قلت : كيف يدور ؟ إذا نفتحه لنعرف ما الذي يديره !


أخذنا نحل مساميره واحدًا تلو الآخر ، حتى توصلنا لحركة التروس بداخله، ثم أعدنا تشغيله وهو مكشوف تمامًا يسحب خلفه العربات الأخرى ، ونراقب حركة التروس تدور ، وهو يدور. 


 تركتهم يلعبون لأنام ساعة قبل أن يحل موعد نزهة الحديقة اليومي وتناول المثلجات .


استيقظت ، حسبتهم نيامًا ! لا صوتهم ولا صافرة القطار ، لكن شيئًا ما كان ينذر بالهدوء الذي يسبق العاصفة .


فتحت الباب بهدوء ما أزعجه إلا احتكاكه بالأشلاء المتكسرة على الأرض قطعًا صغيرة هائمة في الفوضى ، فقدت الأمل في صدى صافرة كانت قبل لحظات تتردد ، وأجزاء أخرى لم يبق لوجودها معنى تائهة عن العربة التي كانت تحجز فيها مقعدًا ، وتروسًا مبعثرة ، فقدت البوصلة التي كانت تديرها ، وعجلات القطار مرصوصة فوق بعضها البعض ، تلملم حسراتها حسرة فوق حسرة حتى القطبان لم يسلم منحناها الدائري ، حين عجزت محاولة فاشلة في جعله مستقيمًا ، وكان الكسر مصيره ! تلك اللحظة هي التي أوجعتني في كل ما حسبته أنت خرابًا ، وكنت أحسبه درسًا لهما لحظة توهم الدخلاء أن تعديل المسار الدائري المرسوم للرحلة ممكنًا ! 


سألتهما.. ما هذا ! قالا : هذا القطار فككناه ، ولم نتمكن من إعادته كما كان ! 


جميل ! وهل عرفتما كل ما بداخله ؟


قالا بصوت يؤازر مشهد الأشلاء التي تقطعت بها سبل الوصال بنبرة تتقطع حسرة : عرفنا ! 


إذًا ، اخرجا . سأعيد تركيبه ولكن ! لا تعبثا في أجزائه مرة أخرى .


أغلقت باب الغرفة وركبت القطار الآخر ، ثم لملمت أش/لاء الضح/ية الأولى حملتها وراء ظهري . قمت بتشغيل القطار ثم خرجت من الغرفة لأخفي ما تبقى من الفتات عن أعين الدخلاء في وسط سلة المهملات . 


ثلاثة شهور مرّت وكان القطار يمرّ أمام أعينهم كل يوم ، كنت أستمتع أكثر حين أرى أختهما وأمهما تركزان أكثر منهما ! كلما نفذت طاقته جددتها لهم . 


ذات يوم فاجأني الصغير يحمل على راحة كفه الممدود نحوي ثلاثة تروس وعجل وجزء آخر لم أفهم ماذا كان دوره .


قال لي : خذ ، هذه نسيت أن تعيد تركيبها .


سألته.. مندهشًا ! أين وجدتها ؟


أسفل الخزانة.


وهل القطار يدور ؟


أجل.


يا بني ، عادة ما ينسى الطبيب شيئًا صغيرًا داخل بطن المريض أثناء العملية ، لكن ! طالما المريض لم يمت ، فلا مشكلة . وطالما أن القطار يعمل وأجزاء منه مفقودة ، فأين المشكلة ؟


وماذا نفعل بها ؟


ضعها في مكانها .


أثناء عودته بها إلى الغرفة، أوقفته! 


مكانها ، هناك ! حيث المهملات .


لماذا ؟


أهمل الأمر الآن، سأشرحه لك عندما تكبر .


آآه ... لا أظن أن الطاقة لديك تسمح بقصة البصير في هذه الليلة ، لكن هات ختامًا لقصة الكفيف، وبها تكون قد رفعت الجلسة .


اللص الحقيقي ليس هو من يدخل يده داخل جيبك ويسرق محفظتك ، دون أن تحس ، بل هو من يدخل حياتك مبتسمًا، يقف أمام آمالك داعمًا ، يدخل بعقله داخل عقلك ، ثم يجمع الآمال يسرقها دون أن تشعر ، يسلبك وهو مبتسمٌ لك ، وأنت ترد له بأجمل ابتسامة لام


ست شفتاك ، تلك لحظة لست مستعدًا فيها للجنون ! ولن تدرك شيئًا مما جرى إذا أصابك ! وكم هناك من مجنون لم يجد حوله من يفسر له تلك اللحظة ، ولم يجد من يحكي عنه قصة ابتسامته الأخيرة ! 


بقلمي🖋️ // أشرف همام // رواية : رحلتي بين شك الظاهر ويقين الباطن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مثل صخرة..بقلم الكاتب أيمن دراوشة

أتضحك؟ بقلم المبدع الأستاذ أشرف همام

عصفور عهد..بقلم د.طارق العرابي