رحلتي بين شك الظاهر و يقين الباطن.. بقلم المبدع أشرف همام

 في هذه الليلة أريد أن أسمع منك قصصًا عشتها تفاصيلها ، خلال عشرون عامًا من غربتك ، تحمل في طياتها شيئًا من الغرابة. 


أتريدها عن بصير أم كفيف؟


إبدأ بقصة الكفيف .


كان غريب المفاهيم عجيب الأطوار ، فاقد الأطر ،عمره تخطى الأربعون ، شغفه جمع الأخبار من المجلات والصحف عن صغار الفنانين والوجوه الجديدة ، في مجال التمثيل ، كان له دفتر كبير في بداية كل صفحة صورة للممثل أو الممثلة مع الإسم الحقيقي والفني .

كان دفتره يحمل البيانات مُسبقًا : الاسم : ... الشهرة... مكان الميلاد وتاريخه..... عنوان السكن..... أول أعماله... الدور الذي قام به.......

الأعمال الجديدة له، و...... ! 


كانت طبيعة عملنا في المركز بين محاضرة وأخرى ساعات تسع لأن تعود إلى الشقة ، تأكل وتشاهد الأخبار ، ثم تعود لتكمل عملك. لم نكن نفعل ذلك ! لكنه كان يجلس على مكتبه يخرج دفتره، وقصاصات من المجلات ، ويقوم بلصق الصور ، وتدوين البيانات في دفتره .


لم أكن أكترث لما يقوم به من سخف ، لكنه ذات مرة أراد أن يلفت انتباهي لأهمية ما يفعله . سألني ماذا تعرف عن الممثل/............ ؟


لا شيئ !


فاجأني بتفصيل مسيرته الفنية التي كانت من أوائل الشخصيات في دفتره قبل عشر سنوات ، قبل شهرته العالمية الآن .


سألته : ماذا تستفيد ، من ذلك ؟ أتريد أن تكون محررًا فنيًا في إحدى المجلات ؟


 لا .


أتريد أن تبيعها لإحدى المجلات؟


لا .


أتبحث عن شهرة من وراء توثيقك

لها ؟


لا.


لماذا تفعل فعلًا ، ولا هدف لك من فعله ، أهو فراغ تملأه !


لا ! بل هواية .


أدركت مدى إهتراء شخصيته ، وشعرت بدوري في إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، فهو مرافق لزوجته المعلمة ، وعمله معنا في المركز ليس أساسيًا ، فكل متطلبات الحياة توفرها زوجته .


وماذا فعلت لإنقاذه من كارثة هوايته؟


لم تكن المشكلة في جزئية هوايته ، بل باقي الهواء الذي يملأ عقله ويسيطر عليه ، قمت بإجراء التجارب عليه ، ودون أن يشعر أجريت عملية تحليل نفسي لشخصيته .


وما النتيجة؟


برزت شخصية البخيل تتجسد بكامل أركانها ، وبددت لي ترشح شحًا حتى في ابتسامته . 


انتظرت طويلًا حتى جاءت لحظة الحسم ثم المواجهة.


طلب أن يرافقني بسيارتي إلى "الحراج" يوم الجمعة . أثناء تجولنا بين ما هو معروض من أثاث مستعمل وأجهزة كهربائية ، وقف مشدوهًا كطفل ، فاغرًا فاه ينظر في كوم من لعب أطفال مستعملة ، ثم أخذ يتفحص بعضها ، وأنا أقف أنتظره حتى أصابني الملل ، تقدمت نحوه وهو يمسك بسيارة كبيرة نسبيًا أحد إطاراتها مفقود ، أجابه البائع : سعرها ريالان.

أدخل يده في جيبه ، فأمسكتها من يده وضعتها مكانها ، وقلت له : إركب السيارة الآن وإلا تركتك وذهبت.


لحظة لحظة ... طلبت منك قصة الكفيف ، وتقول لي نظر وتفحص ، أين قصة الكفيف ؟


أوما لفت نظرك أنه يقص الصور ويدون ، أوما استيقظ عقلك إلا حين وصلت إلى : نظر ! يا عزيزي هذه هي قصة الكفيف ، أما الأخرى فهي عن شخص لا يرى بعينيه، وتلك قصة البصير . وقد إخترت أنت الكفيف ! فكف عن مقاطعة سردي. 


اللهم ألهمني الصبر .... أكمل !


بدأت المواجهة، فبدأ يستبسل في الدفاع عن تصرفه ، أنا وزوجتي نضع القرش على القرش لتأمين مستقبل إبنتنا ، نحن نحرمها من كل شيئ ، لا نلبسها حفاظات الأطفال وحتى الحليب نقتصده لجمع المال لها ، ما الفائدة من شراء سيارة جديدة تحطمها بعد أيام ، ونهدر فيها عشرون ريالًا هي أولى بها !


وكم عمرها؟


ثلاث سنوات .


هي بنت، يلزمها عروسة ، فلا يمكن أن تستهواها سيارة معطلة ، إلا إذا كان أبوها يجمع صور الوجوه الجديدة في مجال التمثيل ويحتفظ بها في دفتر ويعتبرها هواية .


ماذا تقصد؟ أنت تهينني في وجهي ؟


طفح كيلي منك ، واليوم حدد موقفك معي إما أن تكرهني وإما أن تحبني ؟ ففي الحالتين أنا أكسب ، أنا لا أغامر ولا أحب أن أخسر أبدًا ... سأتوقف عند جملة واحدة ولن أعلق ، لكن الآن ستحدد أختيارك للطريقة التي تجعلني بها أكسب . ولا مجال للإعتراض في تكملة المشوار .


إلى أين ؟


سنذهب لتسمع قصة كاملة لشخص قال.. نفس جملتك. 


وما هي الجملة؟


" أنا وزوجتي نضع القرش على القرش لتأمين مستقبل إبنتنا"

والله العظيم وكتابه الكريم أنت لا تستطيع تأمين الثانية القادمة لنفسك ، دعك من تأمينها لإبنتك ! 


دخلنا عليه في محله ، وبعد السلام عليه . يا عم "عارف" أحكي قصتك للأستاذ لأنه يقول : يجمع القرش على..........


فاضت دموع العم" عارف " ثم بدأ يحكي مشواره ، عشرون عامًا ما تركت خلالها عملًا إضافيًا إلا وقمت به : في البناء، السباكة، الدهان، حتى تنظيف المباني الجديدة من مخلفات البناء ، أنا وزوجتي المعلمة كنا نضع القرش على القرش لتأمين شقة تمليك بالتقسيط لإبنتنا ، كنت أحتمل الجوع ، ولا أبدل ثيابي إلا كل أسبوع ، وكنت أقول لنفسي في الحالتين ستتسخ لأوفر بضع ريالات الصابون ، وعندما بلغت ابنتي عشرون عامًا ، أخبرت زوجتي بنية عودتي لأني اشتقت كثيرًا لهما ، فردت علي : اصبر يا "عارف" باقي ثلاثة أقساط على الشقة ، هانت كلها ثلاث سنوات تمر سريعًا .


مرت الثلاث سنوات ، وبدأت أجهز نفسي للعودة ، فاجأتني زوجتي بطلب العودة سريعًا . يا "عارف" تقدم لابنتك من يريد خطبها ، وهو شاب ذو أخلاق عالية ، ويبين على ملامحه العزّ ، ويملك شركة .


قلت لنفسي شاب بهذه المواصفات ، يلزمني عام لتجهيز تكاليف الزواج ، وحفلة عرس كبيرة تستحقها إبنتي ، فطلبت من زوجتي إتمام الزواج وتأجيل عودتي عام واحد، وأرسلت لهم كل ما أملك ، ولم أبق في جيبي ريال واحد .


تم الزواج ، ودخلت إبنتي في شقة شقائها هي ، وشقائنا نحن من بعدها ! بعد اسبوع من الزواج أقنعها بتوكيل عام توقعه له في الشهر العقاري على الشقة التي بإسمها حتى يحصل على قرض من البنك بغرض توسيع نشاط الشركة.


أثناء عودتهما من الشهر العقاري ، طلب منها الذهاب لتزور أمها في نفس الحي على بعد شارعين ثم تلحق به في الشقة.

عندما عادت لتفتح باب الشقة اكتشفت أن القفل تم إستبداله.

أخذت تطرق الباب وترن على الجرس ، حتى خرج الوحش منزعجًا ، يطردها ويدحرج فيها كالكرة على درجات السلم ، ويهددها بألا تقرب شقته بعد اليوم . 


هرع الجيران الذين يعرفوننا إلى أمها يبلغونها ما جرى ، حضرت أمها ، فطردها بعد أن أبرز لها صورة من التوكيل . ذهبت لتبحث عن إبنتنا ، وكلما سألت عن إمرأة بمواصفاتها وما ترتدي من ملابس... أجابوها : تقصدي المجنونة ، التي حطمت زجاج محلاتنا وكسرت معروضاتنا ، وهي تجري في وسط الشارع وكأنها في مضمار سباق ! سقطت الأم ولفظت أنفاسها الأخيرة أثر الصدمة .


اتصل الجيران لإبلاغي وتعزيتي ، فسألتهم عن إبنتي وزوجها ، فأبلغوني بالقصة ، وما زالت إبنتي تجري ولا أثر لها في الحي . وها هو عامي السابع والعشرون في الغربة بلا عودة .


حسبي الله ونعم الوكيل ، أهي قصة حقيقية ؟


ألك شك فيها؟


لا ، ولكن لماذا يعيبوا على قصص الخيال ، ويقولون عنها كلام روايات ؟


لا أدري أيهما أصدق ! الواقع أم الخيال . ما حكى لي العم " عارف" قصته ، إلا بعد أن نشأت بيني وبينه قصة لا يقوى على نسجها خيال، ولا يتوقع أن يسمع بها من كان خصب الخيال ... هي قصة من كون آخر .


لولا أن تأخر الوقت ، لطلبت منك أن تحكيها . إن كانت هذه قصة من كوننا ، فما بالك بقصة من كون آخر .


إذًا رُفِعت الجلسة.. إلى لقاءٍ آخر




بقلمي 🖋️ //أشرف همام // رواية : رحلتي بين شك الظاهر ويقين الباطن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مثل صخرة..بقلم الكاتب أيمن دراوشة

أتضحك؟ بقلم المبدع الأستاذ أشرف همام

عصفور عهد..بقلم د.طارق العرابي