بيان القلم الذي لا يحظره أحد..بقلم فريدون دندن
بيان القلم الذي لا يحظره أحد
بقلم فريدون دندن
لا تحظري النشر يا نادين...
فالذي يحظر الكلمة لا يغلق فم الكاتب، بل يعلن خوفه من مرآة قد تكشف وجهه.
لا تحظري النص لأن فيه وجعا، فالوجع ليس جريمة، والحقيقة ليست منشورا قابلا للحذف، والروح حين تختنق لا تستأذن أحدا كي تصرخ.
نحن لا نكتب لنرضي العيون التي اعتادت التصفيق، ولا لنزين جدران الصمت، نكتب لأن في داخلنا شيئا يرفض أن يموت واقفا.
احظري الصفحة إن شئت، احذفي السطر، أغلقي الباب، اطفئي الضوء...
لكن أخبريني: كيف تحظرين فكرة دخلت قلب انسان؟
كيف تمسحين كلمة استقرت في ذاكرة قارئ؟
كيف تعيدين الصمت إلى فم اكتشف أخيرا أن له صوتا؟
الكلمة الحرة لا تسكن الورق.
إنها تهرب من الحبر إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى السؤال، ومن السؤال إلى التمرد.
ولهذا يخافون منها.
فالسلطة الحقيقية للكلمة ليست في عدد من قرأها، بل في انسان واحد توقظ فيه شيئا كانوا يريدون له أن يظل نائما.
لا نريد منبرا يصفق لنا، نريد نافذة يدخل منها الهواء.
ولا نريد نصا يبدو جميلا، نريد نصا يملك شجاعة أن يكون صادقا.
فالنص الذي يخشى الحذف ليس حرا، والكاتب الذي يكتب وهو يراقب مقص الرقيب يكتب نصف الحقيقة.
أما نحن...
فنكتب بكامل جراحنا، بكامل خوفنا، بكامل غضبنا، ثم نضع الكلمة على الطاولة ونقول:
هذه أنا... خذوا منها ما شئتم، لكن لا تطلبوا مني أن أخونها.
لا تحظري النشر يا نادين...
اتركي للقلم أن يرتكب خطيئته الجميلة: أن يقول ما لا يقال، وأن يسأل حيث يخاف الآخرون السؤال، وأن يفتح نافذة في الجدار الذي أقاموه حول أرواحنا.
فالقلم ليس موظفا عند الخوف، والكاتب ليس حارسا على أبواب الصمت، والنص ليس سجينا ينتظر عفوا.
النص الحر لا يطلب الإذن كي يولد.
وإذا ماتت الصفحة، فلا تخافي...
سيولد النص على جدار آخر، وفي قلب آخر، وبصوت آخر.
وإذا كسروا القلم، سنكتب بأصابعنا.
وإذا قطعوا أصابعنا، سنكتب بأعيننا.
وإذا أطفأوا أعيننا، ستبقى الفكرة تمشي عارية بين الناس.
وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية لمن حاول مصادرة الكلمة:
أن يكتشف متأخرا أن القلم لم يكن في اليد... بل كان في الروح.
لذلك...
لا تحظري النشر.
احظري الخوف إن استطعت. أما ا
لكلمة... فلا أحد يملك مفتاح سجنها

تعليقات
إرسال تعليق