إبتعدي..بقلم الدكتور عدنان الغريباوي

 أَبْتعِدي...


أَبْتعِدي كما تشتهين،

وغَيِّبي خُطاكِ عن دربي،

وأغلقي نوافذَ عينيكِ

عن عينيَّ،


واحجبي عني بريقَكِ

يا نجمتي التي

كلما أطفأتْ ضوءَها

أضاءتْ في دمي.


اذهبي...

فما عادَ الغيابُ يُخيفني،

منذُ عرفتُ أنَّ بعضَ الغيابِ

لا يخرجُ من القلبِ،

بل يتوغَّلُ فيه

كجذرٍ يبحثُ عن الماءِ

في أعمقِ طبقاتِ الروح.


غَيِّبي وجهَكِ،

فالليلُ يعرفُ

كيفَ يُخفي النجومَ،

لكنَّهُ لا يعرفُ

كيفَ يُخفي أثرَها

في عيونِ العاشقين.


وتذكَّري،

وأنتِ تعبرينَ بعيداً عني،

أنَّكِ لستِ عابرةً في حكايتي؛

أنتِ ضِلعٌ من جهتي،

جزءٌ من هندسةِ روحي،


فراغُكِ

اختلالٌ في توازني،

وصمتُكِ غرفةٌ مغلقةٌ

جدرانُها تُردِّدُ

صدى صوتِكِ.


أنتِ في داخلي

ذكرى تُستعاد،

ونبضٌ لا يرى سواكِ

ويُمسِكُ بأطرافِ وصلِكِ

ولا أستطيعُ

أن أطلبَ منهُ الرحيل.


لذلك،

إن شئتِ الغيابَ فغيبي،

وإن شئتِ أن تُطفئي نوري

في آخرِ هذا الليلِ،

افعلي...


لكن لا تنسي

أنَّ السماءَ

تستطيعُ أن تفقدَ نجمةً،

والليلَ يستطيعُ

أن يبتلعَ ضوءاً،


أما القلبُ

فلا يستطيعُ أن يقتلعَ

ضِلعاً من ضلوعِهِ

دونَ أن ينزف.


ثَمَّةَ أشياءُ

ينبغي عليكِ معرفتُها

لم أقلْها بلساني،

بل قالتْها أنفاسي

عندما كانتْ ترتجفُ

في رئتي.


هل تعرفينَ

أنَّ الحنينَ

لم يكنْ زائراً لقلبي

بل ساكناً فيه،


لهُ نوافذُ كالمرايا

يُطِلُّ منها

لا تُغلَقُ

إلا أن تعكسَ

صورتَكِ في عيني؟


وأنَّ الأنينَ

كلَّما حاولتُ دفنَهُ

أعادَ ترتيبَ نبضي

وأقامَ عزاءً في دمي،


وأنِّني حين انسقتُ

خلفَ اشتياقي

كما تنساقُ سفينةٌ

أضاعتْ بوصلتَها

في همجيَّةِ الرياحِ

فأربكت الأشرعة،


وأنَّ البوحَ

كانَ أقربَ إليَّ من الكلامِ،

لكنِّي كلَّما هممتُ أن أقولَ

اختنقتْ حروفي

باسمِكِ،


وأنَّ النَّوحَ

كانَ بكاءَ قصيدةٍ 

مكسورةِ الجناحِ

تنامُ على حافةِ صوتي.


وعليكِ أن تعرفي

أنَّ أفكاري منذُ هجرانِكِ

لم تعدْ تمشي في رأسي،

بل تركضُ كالعصافيرِ

داخلَ قفصٍ من الأسئلة،


وأنَّ أسراري

كلَّها تعرفُ طريقَكِ،

حتى تلكَ التي خبَّأتُها

عن نفسي،


وأنَّ هذياني

ليسَ جنوناً،

إنَّهُ عقلٌ أرهقَهُ الغيابُ،

فراحَ يبحثُ عنكِ

في الأشياءِ التي لا تُشبهُكِ.


ثَمَّةَ أشياءُ عليكِ معرفتُها...


أهمُّها أنِّي

لم أتعافَ من هجرانِكِ،

كنتُ فقط

أُتقِنُ إخفاءَ النَّزفِ

وأُسمِّيهِ صمتاً.


بقلم: د. عدنان الغريباوي العراق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مثل صخرة..بقلم الكاتب أيمن دراوشة

أتضحك؟ بقلم المبدع الأستاذ أشرف همام

عصفور عهد..بقلم د.طارق العرابي