حين تسقط الأوراق...بقلم د.حسين عبدالله الراشد
حين تسقط الأوراق... تظهر الجذور
مقالة أدبية تأملية
بقلم د. حسين عبد الله الراشد@
ناقد وباحث في الأدب العربي
لا تسقط أوراق الشجرة دفعة واحدة. تبدأ بورقة يتغير لونها، ثم أخرى تفقد اخضرارها، حتى يأتي يوم تقف فيه الأغصان شبه خالية مما كان يكسوها. يبدو المشهد لأول وهلة خسارة، وكأن الشجرة فقدت شيئا من حياتها، لكن ما لا تراه العين أهم مما تراه؛ ففي عمق الأرض جذور لم تغادر مكانها، تحفظ للشجرة ما لا تستطيع الفصول أن تأخذه منها.
ولعل بعض حقائق الإنسان لا تظهر إلا بهذه الطريقة.
فنحن أيضا نعرف مواسم الامتلاء ومواسم النقص. نعرف الأيام التي تكون فيها أيدينا قادرة على العطاء، والأيام التي لا نملك فيها إلا أنفسنا. وفي الأولى قد يصعب أن نميز بين من اقترب منا، ومن اقترب مما لدينا. أما الثانية، فعلى قسوتها، تمنحنا معرفة لا تمنحها أيام الرخاء.
تقول عبارة متداولة:
«لم نخسر أحدا، جميع الذين ذهبوا انتهت مصالحهم.»
قد تحمل هذه العبارة وجع تجربة حقيقية، لكنها لا تحمل الحقيقة كلها.
فليس كل من رحل صاحب مصلحة، كما أن البقاء وحده ليس دليلا على المحبة. قد تفرق الحياة بين قلوب بقي فيها الود، وقد تجمع المصلحة بين أشخاص لا يجمع بينهم شيء سواها. لذلك لا يكون الرحيل دائما خيانة، ولا يكون الحضور دائما وفاء.
والسؤال الأعمق ليس: لماذا ذهبوا؟
بل:
ماذا يبقى من العلاقة عندما ينتهي السبب الذي جمع بين شخصين؟
هنا تبدأ الحقيقة التي لا تظهر في البدايات.
فبعض العلاقات تزدهر ما دام لها ما يغذيها، فإذا انقطع عنها ما كانت تأخذه انكشف أصلها. وبعضها يتجاوز السبب الذي بدأها، حتى يصبح الإنسان فيها أثمن من المنفعة، والود أبقى من الحاجة.
وليس الامتحان الحقيقي للعلاقة في زمن الأخذ والعطاء، بل فيما يبقى منها عندما لا يعود أحد الطرفين ينتظر شيئا من الآخر.
فمن السهل أن نحفظ الوجوه التي تفتح لنا الأبواب، وأن نقترب ممن نرجو منهم نفعا، أما الأخلاق فتظهر بصورة أوضح حين تغلق الحاجة بابها، ويبقى للإنسان في نفوسنا قدر لا تحكمه منفعة.
وهنا يظهر الفرق بين علاقة كان الإنسان فيها غاية، وعلاقة كان فيها وسيلة.
غير أن الحديث عن المصالح يصبح ناقصا إذا وضعنا أنفسنا دائما في موضع من خذله الآخرون.
فنحن نتذكر جيدا من تغير علينا، ولكن هل نتذكر بالوضوح نفسه من تغيرنا نحن عليه؟
كم من يد امتدت إلينا في وقت ضيق، ثم مضت السنوات ولم نسأل عن صاحبها؟ وكم من إنسان كان قريبا حين احتجنا إليه، ثم أصبح بعيدا عندما استغنينا؟
لعل بعض المراجعات المؤلمة تبدأ عندما نتوقف عن عد الذين خذلونا، ونبدأ في تذكر الذين ربما خذلناهم نحن.
فالوفاء لا يحتاج دائما إلى موقف كبير. قد يكون سؤالا لا تفرضه حاجة، أو حفظا لمعروف مضى عليه الزمن، أو مودة بقيت بعدما انتهى السبب الذي بدأها. فالإنسان الأصيل لا تنتهي أخلاقه حيث تنتهي حاجته.
والشجرة لا تفقد قيمتها عندما تدخل موسما بلا ثمر، وكذلك الإنسان لا ينبغي أن تقاس قيمته بما يستطيع أن يقدمه لنا.
لهذا فإن بعض الذين كانوا معنا ثم ابتعدوا يستحقون الامتنان لا الاتهام. فليس مطلوبا من كل علاقة جميلة أن تستمر إلى آخر العمر حتى نصدق أنها كانت صادقة. أحيانا ينتهي الطريق المشترك، ولا ينتهي الاحترام.
وفي المقابل، هناك علاقات تكشفها الأيام بلا خصومة ولا عتاب. يكفي أن تتغير الظروف، أو تقل قدرتنا على العطاء، حتى يتضح إن كان الذي جمعنا بالآخر مودة تجاوزت الحاجة، أم حاجة ارتدت ثوب المودة.
وهنا نفهم الشجرة من جديد.
فكثرة الأوراق لا تخبرنا دائما عن قوة الجذور، وكثرة من حول الإنسان لا تخبره بالضرورة عن عمق مكانته في قلوبهم. بعض الحقائق تحتاج إلى موسم مختلف حتى تظهر.
ولعل الدرس الأهم ليس أن نتعلم كيف نكتشف أصحاب المصالح؛ فالأيام كفيلة بذلك. الأصعب أن نتعلم كيف نبقى نحن أوفياء عندما تنتهي مصالحنا.
فالمصلحة قد تفتح بابا بين شخصين، لكنها لا ينبغي أن تغلق باب الأخلاق بينهما. والحاجة قد تنتهي، والمنفعة قد تزول، والظروف قد تتبدل، لكن المعروف لا يفقد قيمته لمجرد أننا لم نعد في حاجة إلى صاحبه.
وحين تسقط الأوراق، ويقل الثمر، وتتبدل الفصول، تظهر الجذور.
عندها لا يكون السؤال الأهم: من بقي معنا؟
بل السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا:
لمن بقينا نحن حين لم نعد نحتاج منه شيئا؟
فبعض الأسئلة تكشف الآخرين، وبعضها يكشفنا نحن.
وقد تكون أجمل العلاقات ليست تلك التي لم تدخلها منفعة قط، وإنما تلك التي انتهت المنفعة ولم ينته معها الإنسان.
وتبقى العبرة:
لا تقيس وفاء الناس بما يفعلونه حين يحتاجون إليك، ولا تجعل نفسك خارج الميزان؛ فالأخلاق الحقيقية تظهر حين تنتهي الحاجة، ويبقى الود بلا ثمن.
وقبل أن تحصي الذين غادروا حياتك بعد انتهاء مصالحهم، توقف لحظة أمام نفسك واسألها:
لمن بقيت أنا حين لم يعد عن
ده شيء أحتاج إليه؟
فالأوراق تخبرنا عن الفصول...
أما الجذور، فتخبرنا عن الأصل.

تعليقات
إرسال تعليق