كآبتي و دليل كتابتي..بقلم الدكتور عدنان غريباوي
كآبتي ودليلُ كتابتي
سيادةَ القاضي...
جئتُكَ اليومَ
بملفٍّ من ورق،
وفي كلِّ ورقةٍ
تُهمة.
أنا المُتَّهمُ،
والقاضي ضميري،
وقاعةُ المحكمةِ
هذا البياضُ
الذي لا يرحم.
ضَعوا القلمَ شاهداً،
والحبرَ محضرَ ضبطٍ،
وافتحوا ملفَّ كآبتي...
ستجدونَ فيهِ
لياليَ بلا شهود،
ودموعاً
حُذِفتْ من محاضرِها،
وقلباً
أخفى جريمتَهُ
تحتَ وسادةِ القصيدة.
قال القاضي:
أتعترف؟
قلتُ:
نعم...
أعترفُ أنّني
كلّما ضاقَ بي صدري
زوّرتُ للحزنِ
جوازَ عبورٍ إلى الورق.
وأعترفُ أنّني
كنتُ أستدعي الكآبةَ
إلى جلسةٍ سريّة،
أضعُ أمامَها القلمَ،
وأقول:
تكلّمي...
فتتلعثمُ في البداية،
ثم تسكبُ اعترافاتِها
حِبراً.
وأنا أُدوِّن.
سطراً فسطرٍ...
حتى تتحوّلَ التهمةُ
إلى قصيدة.
سيادةَ القاضي...
لا تبحثوا عن بصماتي
على مسرحِ الجريمة؛
فبصماتي
هي هذهِ الحروف.
وهذا الحبرُ
دليلُ إدانتي،
ودليلُ نجاتي
في آنٍ واحد.
كلُّ قصيدةٍ
محضرُ جلسة،
وكلُّ استعارةٍ
شاهدٌ خائف،
وكلُّ فاصلةٍ
لحظةُ صمتٍ
قبلَ النطقِ بالحُكم.
أما النقطة...
فهي المطرقةُ
حينَ تهبطُ
على آخرِ اعتراف.
كنتُ أظنُّ
أنّني أكتبُ
كي أُدينَ الحزنَ،
فاكتشفتُ أنّني
أمنحُهُ حقَّ الكلام.
كانَ يدخلُ المحكمةَ
بوجهٍ أسود،
ويخرجُ منها
قصيدةً بيضاء.
وكانَ القلمُ
مُحاميَ الدفاع،
لكنّهُ في كلِّ جلسةٍ
يخونُني...
فيكشفُ ما أُخفي.
يفتحُ أدراجَ الذاكرة،
يستخرجُ الرسائل،
ينفضُ الغبارَ عن الجروح،
ويضعُها أمامَ القاضي
دونَ غلاف.
قلتُ:
يا قاضيَ الروح...
خفِّفِ الحُكم.
فقال:
حُكمُكَ صدرَ
منذُ كتبتَ
أوّلَ قصيدة.
قلتُ:
وما الحُكم؟
قال:
أن تظلَّ
تكتبُ كلّما حزنتَ،
وأن تُحوِّلَ
كلَّ جرحٍ
إلى شاهد،
وكلَّ شاهدٍ
إلى سطر،
وكلَّ سطرٍ
إلى نافذة.
فهمتُ.
كنتُ أظنُّ أنَّ الكتابةَ
هروبٌ من المحكمة...
وتبيّنَ أنّها
هيَ المحكمةُ نفسُها.
وكنتُ كلّما انتهتْ جلسة،
أغلقتُ الملفَّ،
ثم فتحتُ ورقةً جديدة...
لأُعيدَ مُحاكمتي
بقصيدةٍ أخرى.
سيادةَ القاضي...
إن أردتُم إدانتي،
فهذا القلمُ حاضر.
وإن أردتُم دليلاً،
فهذا الحبر.
وإن أردتُم اعترافي،
فهذا البياضُ
الذي امتلأَ بي.
أمّا الكآبة...
فهيَ المتّهمُ
الذي لم يُغادرْ
قاعةَ المحكمةِ قط.
وأمّا أنا...
فكنتُ أكتبُ محضرَها
كي لا يُصبحَ وجعي
قضيّةً بلا شهود.
وفي الجلسةِ الأخيرة...
رفعتُ رأسي،
فلم أجدْ قاضياً أمامي.
كانَ الكرسيُّ فارغاً.
وعلى الطاولةِ
ورقةٌ واحدة:
"حُكِمَ عليكَ
أن تكتب..."
فأخذتُ القلم.
وكتبتُ تحتَ الحُكم:
"وأنا أقبلُ...
لأنَّ القصيدةَ
كانتْ نافذةَ زِنزانتي."
بقلم: د. عدنان الغريباوي - العراق

تعليقات
إرسال تعليق