بيان العزلة..بقلم الدكتور عبد الكريم الحلو

 ( بيان العزلة )

حين يصبح الانسحاب فعلا ثورياً

الدكتور عبدالكريم الحلو


ثمة لحظة في حياة الإنسان لا يعود فيها قادراً

 على احتمال المزيد من الضجيج.


لا لأن العالم أصبح أكثر قسوة فحسب، 

بل لأننا أصبحنا نرى القبح عارياً من كل أقنعته.


تعليقات لا تناقش فكرة، 

بل تفتش عن صاحبها.


كلمات لا تختلف مع النص، 

بل تحاول اغتيال صاحبه.


وأصوات لا تبحث عن الحقيقة، 

وإنما عن لحظة انتصار صغيرة 

في معركة وهمية.


عندها تسأل نفسك:

لماذا أظل واقفا في سوق 

لا يبيع إلا الضجيج ؟


ولماذا أشرح نفسي لمن قرر مسبقاً

 ألا يفهمني ؟


ولماذا أمنح وقتي لمن لا يعرف قيمة الوقت، وهدوئي لمن لا يعرف معنى السلام، 

وفكري لمن لا يرى في الفكر إلا فرصة للخصومة ؟


لقد بدأت أفكر جديا في الاعتزال.

لا اعتزال الحياة، 

وإنما اعتزال النسخة الصاخبة منها.


أريد أن أعود إلى البيت.

إلى مكتبتي.

إلى اوراقي

إلى فلمي

إلى تلك المساحة النقية لروحي 

و التي لا يسألني فيها أحد : 

لماذا كتبت ؟ 

ولمن كتبت ؟ 

ولماذا لم تكتب كما أريد أنا؟


أريد أن أستعيد حقي 

في أن أفكر دون جمهور، 

وأن أكتب دون تصفيق، 

وأن أصمت دون أن أُتهم بالضعف.


فالإنسان لا يموت حين يبتعد عن الناس

أحيانا يموت حين يسمح للناس أن يسكنوا رأسه أكثر مما ينبغي.


لقد أخطأنا حين تصورنا 

أن الانفتاح على الجميع فضيلة.


ليس كل باب ينبغي أن يبقى مفتوحا.

بعض الأبواب يجب أن تغلق، 

لا كراهية بأحد، 

وإنما احتراما لما وراءها.


وبعض الأشخاص 

لا ينبغي طردهم من حياتنا بغضب 

يكفي أن نتوقف عن دعوتهم إليها.


إنها ليست قسوة.

إنها نظافة روحية.


فالروح، 

مثل البيت، 

تحتاج إلى تنظيف.

وما أكثر ما يتراكم فيها من غبار الآخرين.


لقد أصبح العالم الرقمي 

يمنح كل إنسان منبراً ، 

لكنه لم يمنح كل إنسان وعياً.


صار بإمكان أي شخص أن يكتب لك جملة سخيفة في ثوان، ثم يمضي إلى يومه، بينما تبقى أنت تحمل أثرها ساعات.


وهنا تكمن المفارقة :

الكلمة التي استغرقت منه خمس ثوان

 قد تستنزف منك يوما كاملا.


لهذا أقول:

كفى .. لن أدخل كل معركة

لن أرد على كل إساءة.

لن أشرح نفسي في كل مرة.


ولن أجعل مزاجي رهينة لشخص لا يعرفني، 

ولا يعرف ما مررت به، ولا يعرف كم كلفتني الجملة التي قرأها في لحظة.


هناك معارك لا تربحها حين تنتصر فيها، 

بل حين ترفض دخولها أصلاً


سأختار العزلة إذن

لكنها عزلة مختلفة

عزلة الكاتب لا عزلة المهزوم

سأعتزل لأقرأ أكثر

لأكتب أكثر

لأفكر أكثر

لأعيد ترتيب الفوضى 

التي تركها الآخرون في داخلي


سأكون في خلوة روحية مع الكتب، 

لأنها لا تسألني عن مظهري، 

ولا عن عمري، ولا عن عدد الذين يحبونني، 

ولا عن عدد الذين يكرهونني.


سأجلس مع الورق 

فهو أكثر عدلا من البشر

أمنحه فكرة ..فيمنحني مساحة

أمنحه صدقاً .. فيحتفظ به

أمنحه وجعاً ، فيحوله إلى نص


ولست نادماً على شيء.

فالذين أساؤوا إليّ 

علّموني قيمة الصمت


والذين بالغوا في الحكم عليّ

 علّموني ألا أطلب اعترافاً من أحد


والذين حاولوا استفزازي علّموني أن أعظم انتصار يمكن أن أحققه هو ألا أصبح مثلهم


وهنا تكمن الثورة الحقيقية :

أن ينجح العالم في إزعاجك، 

لكنه يفشل في تغييرك


أن ترى القبح، 

ولا تصبح قبيحاً


أن تتلقى الإساءة، 

ولا تتحول إلى مسيء


أن تعرف أن بإمكانك الرد، 

ثم تختار ألا تفعل


ذلك ليس ضعفا

ذلك هو امتلاك النفس


ربما سأختفي قليلاً

سيقول البعض : تغير

وسيقول آخرون : تكبر

وسيفسر آخرون الصمت كما يشتهون


فليقولوا ما يريدون

لقد وصلت إلى العمر الذي لم يعد فيه تفسير نفسي للآخرين جزءاً من واجباتي


من يعرفني، 

فهو يعرفني


ومن لا يعرفني، 

ليس ملزماً أن يعرفني


أما أنا، 

فسأعود إلى المكان 

الذي أشعر فيه أنني أنا:

إلى مكتبتي

وقصائدي

إلى أفكاري

الى أحبتي شياطين الشعر

إلى ميحتي البيضاء 

أوراقي


هنا فقط لا أحتاج إلى الدفاع عن نفسي.

هنا لا أحد يطلب مني أن أكون نسخة

 ترضي ذائقته.


هنا أستطيع أن أختلف، 

وأن أحلم، وأن أكتب، 

وأن أخطئ، وأن أصيب

هنا أستعيد حريتي.


لذلك، 

إن رأيتموني أقل حضوراً

فلا تبحثوا عن السبب.


أنا لا أكره أحداً

ربما فقط أحببت نفسي 

بما يكفي لأحميها من الضجيج


فالاعتزال الذي يأتي بعد الوعي

 ليس هزيمة.

إنه اختيار

والصمت الذي يأتي بعد كثرة الكلام

 ليس عجزاً

إنه حكمة


والابتعاد الذي يأتي بعد كثرة الخيبات

 ليس جبنا .

إنه ثورة هادئة

 على كل ما يستنزف الإنسان 

ولا يضيف إليه شيئا.

سأعتزل الضجيج.


لا الناس

سأغلق نوافذ العبث

لا نوافذ الحياة

وسأكت


ب …

حتى يصبح القلم بيتي الأخير

وحينها لن يهمني كم شخصا صفق

ولا كم شخصا اعترض


يكفيني أنني، 

وسط هذا العالم الذي يتحدث كثيرا،

ما زلت أملك شيئا أقوله :

وسيكون بإذن الله .. ذا .. أثر


@highlight

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مثل صخرة..بقلم الكاتب أيمن دراوشة

أتضحك؟ بقلم المبدع الأستاذ أشرف همام

عصفور عهد..بقلم د.طارق العرابي