ابتسامة الملائكة..بقلم الكاتب محمد السر شرف الدين
ابتسامة الملائكة
قصة قصيرة
اسمها «براءة»، وهي فراشة في عمر الطفولة، خرجت إلى ذلك العالم المعقّد بلا أجنحة، وبذلك فقدت أهم صفة ومصدر للفخر لدى الفراشات. ومع ذلك، لا تعي ولا تفهم ما يدور حولها، ولم تخرج من بين شفتيها سوى عبارة واحدة: إنها تمطر.
حياتها عبارة عن لهو متصل، وابتسام وضحك في كل الأوقات، لا تكترث بمن يسخر أو يرثي لحالها، أو بمن يريد أن يربّت على مصابها؛ فهي لا تفهم أي كلمة أو تلميح.
تأثّر الوالدان بشكل كبير بما حلّ بابنتهما الصغيرة، لكنهما علما أن ذلك ابتلاء من الخالق القدير؛ لذلك كانا يعتبرانها جوهرة ثواب، يمسحان على مصابها الجلل، فيتناثر الأجر العميم نظير صبرهما الجميل.
ورغم ذلك، عندما تعانق الأم ابنتها، تذرف دموع شفقة تبلل خد ابنتها، فتبتسم وتضحك وتصيح: «إنها تمطر!». وكان نفس التصرف يحدث مع الأب..
لم يعتبرها الوالدان نكرة أو وصمة عار، بل كانا يأخذانها معهما في كل مكان، وكان أملهما الوحيد أن تنطق ابنتهما وتطلب أي أمر كي يسعداها، حتى وإن كان حرفًا واحدًا.
وفي ليلة حالكة السواد، ذات نجوم غزيرة لامعة، شاهدت الأم ابنتها الصغيرة وهي تحلّق بأجنحة وارفة كشراع الأمل، وبألوان زاهية تصدح بإبداع الخالق. وكانت البنت، كالعادة، تبتسم وتضحك بصوت جهور، ولكن هذه المرة كانت تتحدث وتخاطب أمها :
انظري يا أمي، لدي أجنحة كباقي الفراش، وأتحدث وأشعر مثل الجميع. الآن يمكنك أن تفتخري بي، سعدت الأم كثيرًا بهذا المنظر، أما ابنتها فقد انفجرت بضحكات عالية جدًا، جعلت أمها تنهض من النوم وهي في دهشة. وصارت تدعو الله أن تكون هذه رؤيا، وتمنّت أن يتحقق ما رأته في منامها لذلك هرعت مسرعة إلى غرفة ابنتها، وأخذت تتحسس بسرعة أماكن الأجنحة بلهفة وارتباك، لكنها لم تجد شيئًا. ولاحظت أن تنفس ابنتها صار بطيئًا، فأسرعت تتحسس قلبها وهي في حالة جزع شديد وقد تأكد لها أن قلبها ينبض ببطء، وشعرت بأنه سيتوقف في أي وقت. لذلك أخذت تذرف الدموع بغزارة، وتهطل على وجه ابنتها الصغير.
ولم يقطع هذا الموقف العصيب سوى ضحكات ابنتها الرنانة وهي تصيح : إنها تمطر
محمد السر شرف الدين/ السودان

تعليقات
إرسال تعليق