محاكمة القلم.. بقلم الكاتب د حسين عبدالله بن راشد
محاكمة القلم
حين تصبح الكلمات شاهدة على أصحابها
بقلم د. حسين عبد الله الراشد
ناقد وباحث في الأدب العربي
منذ أن عرف الإنسان الكتابة، كان القلم رفيقه في رحلة المعرفة، وأمين أسراره، وحارس ذاكرته من النسيان. به انتقلت العلوم بين الأجيال، وحفظت الأمم تاريخها، ووجد الشعراء والأدباء طريقا إلى عقول الناس وقلوبهم. وكان شاهدا على حضارات قامت، وأفكار غيرت مجرى الحياة، وكلمات تجاوز أثرها أعمار أصحابها.
لكن القلم الذي حفظ الحكمة، حمل أيضا كلمات زينت الباطل، ومدائح رفعت من لا يستحق، واتهامات أضاعت حقوقا وتركت جراحا لم تمحها السنوات.
فكيف لأداة صنعت كل هذا المجد أن تحمل في سجلها كل ذلك الأذى؟ وهل تكفي براعة الكاتب لتبرئته مما يكتب؟
من هنا تبدأ محاكمة القلم، حين تصبح الكلمات شهادات تستدعي أصحابها للمساءلة، ويقف التاريخ والأدب والإنسان أمام سؤال واحد: من يتحمل مسؤولية ما يكتب؟
حين شهد التاريخ
حضر التاريخ يحمل أخبار الملوك والعلماء والحروب، وحكايات الشعوب التي صنعت الحضارات ودفعت أثمان الصراعات.
سأله القاضي: هل نقل القلم الحقيقة دائما؟
أجاب التاريخ: حفظ كثيرا منها، لكنه نقل أيضا روايات كتبها أصحاب السلطة، وغابت عن بعضها أصوات الذين لم يجدوا من يدون شهاداتهم.
فالرواية التاريخية لا تستمد صدقها من قدمها أو شهرة صاحبها، وإنما من الأدلة التي تسندها ومقارنتها بغيرها من المصادر.
وقد يروي المنتصر معركة بوصفها مجدا، بينما يراها من فقد أهله وبيته مأساة لا تستحق الاحتفال. وبين الروايتين يقف الباحث مطالبا بالفحص والإنصاف.
وأخطر ما يصيب ذاكرة الأمم أن يصبح صوت الأقوى هو الصوت الوحيد الذي يصل إلى الأجيال.
الأدب أمام المحكمة
ثم جاء الأدب يحمل قصائده وحكاياته، وما تركه الشعراء والكتاب من صور للإنسان والحياة.
سأله القاضي: وهل كانت الكلمات الجميلة صادقة دائما؟
أجاب الأدب: منحت الناس الحكمة والمتعة، وكشفت مشاعرهم وأحلامهم، لكنها استخدمت أحيانا لتمجيد من لا يستحق، أو للنيل ممن لا يملك الدفاع عن نفسه.
وفي تراثنا العربي عرف الشعر المدح والهجاء والفخر والحكمة، وكانت للكلمة مكانة تتجاوز جمالها الفني إلى تأثيرها في المجتمع.
وقد تكون القصيدة بليغة في بنائها وصورها، بينما يظل مضمونها قابلا للمساءلة. وهنا تظهر مسؤولية الناقد في إنصاف جمال النص دون أن يجعل من البلاغة دليلا على صحة كل ما يقال.
فقد تمنح البلاغة الفكرة قوة الحضور، لكنها لا تمنحها صحة الدليل.
شهادة إنسان
تقدم رجل بسيط إلى المحكمة، ولم يحمل كتابا ولا وثيقة.
قال للقاضي: كتب أحدهم عني اتهاما لم يكن صحيحا، فصدقه الناس قبل أن يسمعوا مني. وبعد زمن اعتذر صاحبه، لكن الذين قرأوا الاتهام لم يقرأوا جميعا الاعتذار.
ثم أضاف بصوت خافت: لم أكن أخشى الكلمة نفسها، بل ما فعله الناس بحياتي حين صدقوها.
ساد الصمت.
فكم من شائعة أضرت بسمعة إنسان، وكم من حديث اقتطع من سياقه، وكم من حكم صدر قبل سماع الطرف الآخر!
وقد جعلت وسائل التواصل الكلمات أسرع انتشارا وأوسع تأثيرا، حتى بات بعضهم يشارك اتهاما لا يعرف حقيقته، ثم يمضي وكأن شيئا لم يحدث.
بعض الكلمات نستطيع حذفها من صفحاتنا، لكننا لا نستطيع محوها بالسهولة نفسها من ذاكرة من آذتهم.
الوجه الآخر للقلم
ولم تكن الشهادات كلها مؤلمة.
فقد حفظ القلم اكتشافات العلماء، ونقل تجارب المفكرين، وكان وسيلة للدفاع عن الحقوق وكشف الأخطاء. وكم من كلمة أعادت الثقة إلى طالب، ومقالة أنصفت مظلوما، وبحث صحح فهما استقر زمنا.
ولا تعني مسؤولية الكتابة الخوف من النقد أو تجنب الاختلاف؛ فالمجتمعات تحتاج إلى من يسأل ويعترض ويكشف الخطأ، حتى حين يكون قول الحقيقة صعبا.
وأشرف ما يفعله القلم أن يمنح الحقيقة صوتا حين يحاول الخوف إسكاتها.
من يحاكم القلم؟
بعد أن انتهت الشهادات، التفت القاضي إلى القلم وسأله:
لقد حملت الحكمة والوهم، وأنصفت مظلومين وأسهمت في ظلم آخرين. فبماذا تدافع عن نفسك؟
أجاب القلم: لم أختر كلمة واحدة مما كتبت. كنت أمضي حيث توجهني اليد التي تحملني.
قال القاضي: لكن كلماتك غيرت مصائر، ورفعت أناسا وأسقطت آخرين.
أجاب القلم: فاسألوا من اختار الكلمات، لا من حمل الحبر.
سأله القاضي: ومن هو؟
قال القلم: الإنسان.
عندها أمر القاضي باستدعاء صاحب القلم.
ولم يتقدم شخص واحد؛ فقد وجد الكاتب والشاعر والصحفي والباحث والمعلم وصاحب القرار أنفسهم أمام السؤال ذاته، ومعهم كل من يكتب اليوم على شاشة هاتفه، ويترك كلماته تمضي بين الناس.
لقد اختلفت وسائل الكتابة، لكن الإنسان ظل صاحب القرار، والمسؤول عن الكلمة التي يختارها والأثر الذي يستطيع توقعه منها.
والكاتب قد يخطئ، لكن قيمته تظهر حين يمتلك شجاعة الاعتراف بخطئه وتصحيحه.
فالاعتراف بالخطأ لا يهزم صاحب القلم، وإنما يهزم الغرور الذي يمنعه من رؤية الحقيقة.
الحكم الأخير
نهض القاضي، وأعلن حكمه:
القلم بريء من إرادة لم يمتلكها، لكن الكلمات التي حملها لا تفقد آثارها بهذه البراءة. أما الإنسان، فهو المسؤول عما اختار أن يكتب، وعما كان يستطيع التحقق منه قبل أن ينشره.
ثم أضاف:
لا نحاكم حرية الكلمة، وإنما نسائل من يستخدمها؛ فالحرية التي يغيب عنها الوعي قد تتحول من وسيلة لإنصاف الإنسان إلى أداة للإضرار به.
انتهت المحاكمة، وعاد القلم إلى مكانه بين أصابع صاحبه.
وحين هم صاحبه بالكتابة، توقف لحظة، ونظر إلى الصفحة البيضاء طويلا.
كانت الكلمات حاضرة، وكانت الأفكار تتزاحم في ذهنه، لكنه تذكر وجوه الذين شهدوا في المحكمة، وما بقي في حياتهم من أثر الحروف.
وللمرة الأولى، لم يكن يبحث عن أجمل عبار
ة يفتتح بها سطوره، بل عن كلمة يستطيع أن يتحمل مسؤوليتها.
وهكذا خرج القلم من المحكمة، وبقي الإنسان أمام ضميره.

تعليقات
إرسال تعليق