و حبن استأمنني أبوك..بقلم الكاتب علاؤ ابو شحاتة
وحِين اسْتَأمَنَنِي أبوكِ .
" لا تُصدِّقي أنَّ الرَّجلَ يتألَّمُ لرحيلِكِ ، لبكائِكِ ، لغيابِكِ ، فالرِّجالُ لا يُؤلِمُهُم إلَّا ثلاثةُ أشياءَ ؛ موتُ أمهاتِهم ، فقدانُ وظائفِهم، خَدْشُ سيَّارتِهم ."
لا قيمةََ لتلكَ التُّرَهاتِ إلَّا إذا كانَ لها تفسيرٌ آخرُ يحملُ من المعاني الضِِّمنيةِ ما يضمنُ لها الحقَّ في الحياةِ ، فإنْ كانَ غيابُ أمِّي سببًا لآلامي وأوجَاعِي ، فأنتِ امتدادُها ، وأنتِ أمِّي من بعدِ أمٍّ ، وإنْ كانَ فقدانُ الوظائفِ يُسبِّبُ هو الآخرُ ألمًا ووجعًا ، فلا شكَّ أنِّي حينَ أفقدُ وظِيفَتِي التِّي كلَّفني بها أبوكِ حينَ جَعَلَنِي رسولَه لرعايتِكِ ، والقيامِ على أمرِكِ ، ولأعيدكِ طفلةً بريئةً في حضنِِ أبيها ، تطمئنُ في حِضنِه وتهدأُ ، لا شَكَّ أنِّي إنْ فقدتُ هذه التِّي نُسمِّيها مِن بابِ المَجَازِ وظيفةً ، فلا شَكَّ أنَّ الألمَ لَحِقَ بي بلا أملٍ في تجاوزٍ أو شفاءٍ .
وماذا عن ثالثِ مُسبِّباتِ الألمِ في زَعْمِهم ؟ خَدْشُ سيارتي ! وماذا إذا خُدِشَ قلبي بفراقٍ أو تَقَطُّعَِ نِيَاطُه بوداعٍ وانكسارٍ ؟
إن كانت السَّيارةُ تعنيني ، فلا يعنيني منها سوى أنَّها ستشهدُ عناقَ أيدينا ، وانشغالِ الكُرْسِيَّ المجاورِ لي ، والذي طالما نظرتُ إليه متسائلًا ؛ متى تمتلئُ فراغاتُكَ بحَبِيبَتِي وغاليتِي ؟ وأخيرًا فللسَِّيارِةِ وظائفُ أخرى تعرفينها أنتِ حَبِيبَتِي ، أحبُّكِ يا أنا .
أجابت حبيبتي .
أيَا عزيزَ عَيْنِي ، يا مَن أتقنَ إضحاكي وإبكائي ، ابتسمتُ هذه المرَّةَ لأنّكَ أعدتَ ضبطَ خللِ اقتباسِكَ ، حين تموتُ أميٍّ فأنت امتدادُها ، وإن حِيلَ بيننا فلن يبقى لي شيءٌ ، أرأيتَ كيف أتقنتَ إضحاكي وإبكائي ! أشهدُ أنَّك على وصيةِ أبي لأمينٌ ، رأيتُ في كنفكَ طفولتي البريئةَُ ومراهقتي المجنونةَُ وأنوثني التي نَسِيتُها أو أكادُ ، سيارتُكَ لو تعلمُ حبيبي هي بيتُنا الثَّاني ، تلك التي شهدت أسفارَنا ، ضحكاتِنا وقلقَنا ، طفولتَنا وهزْلَنا وجَدَّنا ، عُيونَكَ العاشقةَ التي تخونكَ كلَّ مرَّةٍ ، وتفضحُ لهفتَكَ وحُبَّكَ وفرطَ حنانِكَ الذي يكفي أربعين امرأةٍ - وأنا الأربعون - ويدَك اليُمنى التِّي لا تَمِلُّ من استكشافِ خارطتي ، يا لك من ماكرٍ تحسنُ ميّزَةَ أنَّكَ أعسرُ ، تدلِّل حبيبتَك بيمناكَ وتقودُ بالأخرى سيَّارتَك التي تشهدُ غيْرَتك حين ترفضُ السَّماحَ لعاملِ المقهي تقديمَ قهوتنا من نافذتي ، مسؤوليتِك حين تأبى كلَّ مرَّةٍ بحزمٍ يعقبه غالبًا صوتُكَ المرتفعُ - على غيرِ عادتِك - رافضًا كلَّ توسلاتي لِحَمْلِ شيء ٍمن حقائبِ المشترياتِ ، وأنا ما بين شَفَقَتِي عليكَ بأثقالٍ تنوءُ بالعصبةِ أولي القوةِ ، وبين اندهاشي وفرحتي بمَن يبرهنُ في كلِّ مرَّةٍ أنَّني ملكةُ قلبِه ، وسلطانةُ حياتِه وسِتُّ كلِّ النِّساءِ ، علائي ورَجُلِي ، أنتَ تتألَّمُ لثَلاثَةِ أشياءَ ، وأنا أتألَّمُ وأُعَانِي من شيءٍ واحدٍ ؛ حين يحولُ ببينا الزَّمانُ والمكانُ .
أحبُّكَ يا مَن جعلتَ مِن كلِّ تفصيلةٍ صغيرةٍ في حياتي قصَّةََ حبٍّ لا تنتهي .
اقتباس من رباعية ( إلى السيدة راء )
الكاتب الأول ( رسائل لذة البدايات )
الكاتب والروائي د ـ علاء أبو شح
اتة

تعليقات
إرسال تعليق