الحرف الذي خرج من السطر..بقلم الدكتور حسين عبدالله الراشد

 الحرف الذي خرج من السطر

لم أكن أظن أن حرفا واحدا يستطيع أن يغضب.


كان الوقت متأخرا، والبيت هادئا، وأمامي ورقة أرهقتها بالشطب أكثر مما أكرمتها بالكتابة. أكتب جملة، أتأملها قليلا، ثم أمحوها.


وفي لحظة ضيق قلت: ما أصعب أن تجد الكلمة التي تريدها.


جاءني صوت من جهة الورقة: بل الأصعب أن تجد الكلمة... ثم تضعها في غير موضعها.


رفعت رأسي. نظرت حولي. لا أحد.


قلت: من هناك؟


قال الصوت: هنا... أمامك.


اقتربت من الورقة، فإذا بحرف صغير يقف عند طرف السطر، كأنه خرج لتوه من بين الكلمات.


سألته: أنت الذي تكلمت؟


قال: نعم. ولا تنظر إلي هكذا، أعرف أنني صغير.


ضحكت: وهل تغضب الحروف أيضا؟


قال: نغضب حين تقولون عنا: مجرد حرف.


قلت: وماذا يستطيع حرف واحد أن يفعل؟


تحرك قليلا وقال: أكثر مما تظن. حرف يستقر في موضعه فيقيم المعنى، وحرف يزاح عن مكانه فيربكه. وأنتم أيضا هكذا... ليست قيمة المرء بكثرة ما يقول، بل بما يضع من كلامه في موضعه.


قلت: إذن أنت تلومنا؟


قال: لا ألومكم على الكلام. ألومكم حين تتصرفون كأن الكلمة تموت بمجرد أن تغادر أفواهكم.


ثم سألني: ألم تندم يوما على كلمة؟


سكت.


ابتسم: عرفت الجواب.


قلت: ومن منا لم يندم؟


قال: وهذا ما يحيرني فيكم. تعرفون، ثم تكررون.


قلت: لأن الإنسان يغضب.


قال: وأنا حرف غاضب، ومع ذلك ما زلت أعرف طريقي إلى السطر.


ضحكت رغم جدية الحديث، فضحك هو أيضا.


ثم قال: اسمع يا صاحبي، الغضب ليس المشكلة. المشكلة أن تترك لسانك يتخذ القرار في اللحظة التي يغيب فيها عقلك.


سألته: وهل الصمت هو الحل؟


قال: ليس دائما. أحيانا تكون الكلمة واجبا: كلمة حق، أو اعتذار، أو مواساة، أو كلمة تقف بها إلى جانب مظلوم. فالصمت في موضع الكلام قد يؤذي، كما تؤذي الكلمة في موضع الصمت.


ثم اقترب قليلا كأنه يريد أن يسر بسر:


ليس كل ما تستطيع قوله يستحق أن يقال، وليس كل ما تعرفه يحق لك أن تقوله. بعض الصمت حكمة، وبعض الكلام أمانة.


توقفت عند عبارته.


قلت: ولماذا للكلمة كل هذه الخطورة؟


قال: لأنكم تنسون شيئا بسيطا...


حين تخرج الكلمة منك، تنتهي ملكيتك لها، ويبدأ عمرها في قلب آخر.


قد تقولها وتنام، ويبقى غيرك مستيقظا بسببها.


وقد تنساها في الصباح، ويحملها إنسان في ذاكرته سنوات.


وربما تقول كلمة طيبة لا تلقي لها بالا، فتصل إلى إنسان في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى سبب واحد كي لا ينكسر.


قلت: إذن للكلمة عمر؟


قال: بل أعمار.


بعض الكلمات تموت عند الشفاه، وبعضها يعيش بعد أصحابها.


وبعض الكلمات لا تغير العالم، لكنها تغير عالما كاملا داخل إنسان واحد... وهذا يكفي.


سكتنا قليلا.


ثم قلت: وماذا عن البلاغة؟ نحن نتعلم كيف نجمل الكلام.


هز رأسه وقال: وهنا تخطئون أحيانا.


البلاغة ليست أن تزين الكلمة حتى تدهش من يسمعها. البلاغة أن تبلغ بها معناها في موضعها، بصدق وجمال. فما نفع عبارة تبهر الأذن وتجرح القلب؟


ثم أضاف: الكلمة الجميلة بلا صدق زينة، والكلمة الصادقة بلا رحمة قد تصبح قسوة. أما حين يجتمع الصدق والرحمة، فهناك يصبح للكلام جمال آخر.


قلت: وكيف يعرف الإنسان أنه وضع كلمته في مكانها؟


قال: قبل أن تقولها، اسأل نفسك: هل هي حق؟ هل يحتاج المقام إليها؟ وهل أستطيع أن أقولها من غير أن أهين إنسانا؟


قلت: وإن أخطأت؟


قال: اعتذر.


قلت: بهذه السهولة؟


نظر إلي وقال: لو كان الاعتذار سهلا، لما رأيت كل هذا العدد من القلوب المتباعدة.


ثم ابتسم: الاعتذار لا يصغر الإنسان. الذي يصغر حقا هو أن يعرف خطأه، ثم يكابر عليه.


أطرقت قليلا.


تذكرت كلمات قلتها وكان يمكن ألا أقولها، وكلمات كان ينبغي أن أقولها، لكنني تأخرت حتى لم يعد لها باب تطرقه.


كأن الحرف قرأ ما دار في رأسي، فقال: لا تحزن على كلمة علمتك شيئا، لكن لا تجعل الندم معلما يزورك بالدرس نفسه كل مرة.


ثم عاد ببطء نحو السطر.


قلت: إلى أين؟


قال: إلى مكاني.


قلت: ألن تكمل حديثك؟


قال: قلت ما يكفي. وأنتم يا معشر البشر كثيرا ما تفسدون الكلام الجميل لأنكم لا تعرفون متى تتوقفون.


ضحكت.


وقبل أن يستقر في مكانه، التفت إلي وقال:


تذكر شيئا واحدا...


الحروف بريئة.


نحن لا نصنع خصاما، ولا نصلح قلبا، ولا نعلن حربا، ولا نعقد سلاما.


أنتم من تمنحوننا المعنى.


ثم سكت لحظة وقال:


فلا تسأل الكلمة غدا ماذا فعلت بالناس... اسأل نفسك لماذا أرسلتها إليهم.


عاد الحرف إلى مكانه، وعادت الورقة كما كانت.


أما أنا، فلم أعد كما كنت.


أمسكت القلم، ثم وضعته جانبا.


فقد فهمت أخيرا أن الكلمة لا تبدأ حين ينطق بها اللسان أو يكتبها القلم، بل قبل ذلك بقليل...


في تلك المسافة القصيرة بين ما نشعر به وما نقرر أن نقوله.


هناك تحديدا تولد مسؤوليتنا.


ومنذ تلك الليلة، كلما هم


مت بكلمة، تذكرت ذلك الحرف الصغير.


وتذكرت أنني قد لا أملك تغيير هذا العالم كله...


لكنني أملك ألا أجعله أكثر قسوة بكلمة مني.


د. حسين عبد الله الراشد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مثل صخرة..بقلم الكاتب أيمن دراوشة

أتضحك؟ بقلم المبدع الأستاذ أشرف همام

عصفور عهد..بقلم د.طارق العرابي