مدارات النص و الرؤية في تجربة الأديبة نادين آل دعجة...بقلم الدكتور حسين عبدالله الراشد

 مدارات النص والرؤية في تجربة الأديبة نادين آل دعجه

«لأن النص لا ينتهي عند آخر كلماته»


قراءة في النص وما وراءه بقلم د. حسين عبد الله الراشد ناقد وباحث في الأدب العربي


المدار الأول «شاهد عيان»


النص


شاهد عيان.. أنا والقلب والرفاق



في مهنتي تعلمت البحث عن الحقيقة والوقوف على حافة الحدث لرصد تفاصيل العالم بقلم وورقة.


لكنني اليوم أخرج من خلف الكواليس لأكون شاهد عيان على قضية تخصني وحدي.


في معركة صامتة تتراجع فيها العناوين، وتتعرى الأرواح أمام مرآة الحقيقة.


عندما بدأ الخفقان يكتب نبضاته بألم لا يشعر به سواه، أدركت كم كان ذلك الاختبار قاسيا.


في تلك اللحظة تساقطت الوجوه كما تتساقط أوراق الخريف.


أشخاص باعوا الموقف واختبأوا خلف أعذار واهية. لم أكن بحاجة منهم سوى لصدق البدايات، لذا منحتهم غيابا دائما لا رجعة فيه.


وفي المقابل، ظهر أولئك النبلاء الذين لم يساوموا على الوفاء، لم تخفهم العتمة ولم تبعدهم مسافات الخوف.


كانوا الدفء حين اشتد البرد في شراييني، بأيد حانية وقلوب أطهر من الغمام.


تمسكوا بي كمن يحرس شمعة في مهب الريح. بفضلهم وحدهم عبرت الجسر، وأيقنت أن المحن ليست سوى مصفاة دقيقة تفرز زبد الوجوه الباهتة عن معدن الذهب الأصيل.


اليوم، وأنا أغلق هذه الصفحة المعتمة وأستعيد اتزاني، أوقع شهادتي هذه بلا مرارة على من رحل، وبكل امتنان لمن ثبت.


إنها حكايتي، أرويها بمداد الصدق، لتبقى شاهدا على أن الوفاء وحده هو ما يعيد للحياة نبضها.


بقلم نادين آل دعجه


حين يفتح النص بابه


بعض التجارب لا تغير ما حولنا، بل تغير العين التي نرى بها من حولنا.


من هذه المنطقة تدخل نادين آل دعجه إلى «شاهد عيان». فالكاتبة التي تعلمت في مهنتها البحث عن الحقيقة والوقوف على حافة الحدث، تنقل موقع الشهادة هذه المرة إلى داخل تجربتها. لم تعد تراقب ما يحدث للآخرين، بل أصبحت شاهدة على ما تكشفه المحنة في عالمها الإنساني.


وهنا تنشأ المفارقة التي تمنح النص خصوصيته: من اعتادت أن ترصد العالم من الخارج، أصبحت ترصد ما يفعله العالم في الداخل، لتتحول الحقيقة من واقعة تبحث عنها إلى معرفة تعيشها.


ما وراء الكلمات


الحكاية الظاهرة هي تجربة قاسية يرافقها ألم وخفقان، غير أن مركز النص الحقيقي لا يقيم في تفاصيل ما حدث، بل فيما كشفه الحدث.


السؤال الأعمق ليس: ماذا جرى؟ وإنما: ماذا عرفت الكاتبة بعد الذي جرى؟


عند هذه النقطة تتحول المحنة إلى أداة معرفة. فالوجوه التي كانت متجاورة في زمن الطمأنينة تتباعد عند الاختبار، وتفقد الكلمات قيمتها حين لا يسندها موقف. ولهذا تبدو عبارتها: «لم أكن بحاجة منهم سوى لصدق البدايات» أكثر من مجرد عتاب؛ إنها مساءلة للمسافة بين ما تعلنه العلاقات في بدايتها وما تثبته حين يحين امتحانها.


لكن النص لا يستسلم لمنطقة الخذلان. ففي مقابل الذين اختبأوا خلف الأعذار، يظهر الذين ثبتوا في موضعهم. وبهذا الانتقال تتغير وجهة الحكاية: من الانشغال بمن غاب إلى اكتشاف قيمة من حضر، ومن مرارة التجربة إلى معرفة أكثر هدوءا بالآخرين.


النص في مرآة الحياة


يضعنا «شاهد عيان» أمام حقيقة إنسانية بسيطة في ظاهرها، شديدة التعقيد حين نعيشها: نحن لا نعرف الآخرين دائما بالقدر الذي نظنه.


في الأيام العادية تتسع العلاقات للكلام والمجاملة والوعود، أما في لحظات الضيق فيصبح الحضور نفسه لغة، وقد يفعل موقف صغير ما لا تفعله سنوات من العبارات.


ومن هنا تتجاوز تجربة نادين حدود سيرتها الشخصية. فالنص يفتح سؤالا يخص القارئ أيضا: كم علاقة في حياتنا نعرف صورتها، ولا نعرف حقيقتها بعد؟


ولعل أكثر ما يمنح التجربة اتزانها أن الكاتبة لا تجعل الغائبين مركز ذاكرتها. حين تقول: «أوقع شهادتي هذه بلا مرارة على من رحل وبكل امتنان لمن ثبت» فهي لا تلغي الخيبة، لكنها تختار ألا تمنحها سلطة البقاء. وهنا تتحول التجربة من مجرد فرز للآخرين إلى مراجعة داخلية لطريقة الإنسان في حمل ما حدث له بعد انتهائه.


عين الناقد


يعد العنوان «شاهد عيان» من أكثر عناصر العمل تماسكا مع بنيته الداخلية. فالشاهد في دلالته المألوفة يراقب الواقعة من خارجها، بينما تتداخل المواقع هنا؛ إذ تصبح الكاتبة شاهدة على التجربة وجزءا منها في الوقت نفسه.


ويتأكد ذلك عبر حقلين لغويين يتجاوران داخل النص: حقل مستمد من المهنة، تحضر فيه «الحقيقة، الحدث، القضية، الشهادة»، وحقل وجداني وجسدي تحضر فيه «القلب، الخفقان، الشرايين، النبض». وهذا التداخل هو أبرز عناصر خصوصية النص؛ لأنه يصل بين عين ترصد العالم وقلب يختبره.


وتبرز صورة: «تمسكوا بي كمن يحرس شمعة في مهب الريح» بوصفها من أكثر الصور قدرة على تجسيد الحالة؛ فالمعنى ينتقل فيها من قيمة مجردة إلى مشهد محسوس: هشاشة تقابلها حماية، وريح تهدد الضوء، ويد تصر على بقائه.


أما نقديا، فثمة صور أخرى تؤدي معناها بوضوح لكنها أكثر ألفة في الكتابة الوجدانية، مثل تساقط الوجوه كأوراق الخريف و«معدن الذهب الأصيل». وكان من الممكن أن يكتسب النص فرادة تصويرية أكبر لو واصل استثمار عالمه الخاص: الشاهد، والقضية، والرصد، والحقيقة، والتوقيع على الشهادة.


كما تميل بعض المواضع إلى شرح المعنى بعد أن تكون الصورة قد أدته، وكان شيء من الاقتصاد سيمنح القارئ مساحة أوسع للمشاركة في إنتاج الدلالة.


ومع ذلك، يظل البناء متماسكا في حركته من التجربة إلى الانكشاف، ومن الانكشاف إلى إعادة النظر في العلاقات، ثم إلى مصالحة أكثر هدوءا مع ما حدث. وهذه الحركة هي التي تمنع النص من البقاء في حدود الاعتراف الشخصي، وتمنحه بعدا إنسانيا أوسع.


أثر لا ينتهي عند السطر الأخير


ليست المحن دائما ما يكسرنا؛ بعضها يكسر الوهم من حولنا، لنرى الأشياء كما هي.


وفي «شاهد عيان» تنتهي الشهادة، لكن أثرها يبقى أبعد من الحكاية نفسها. فبعد أن تهدأ العاصفة، لا تحفظ الذاكرة كثرة الذين مروا بنا، بل أولئك الذين لم يغيروا مواقعهم حين تغيرت علينا الحياة.


فالوفاء لا يثبت نفسه بكثرة الكلام.



يكفي أن يبقى حين يرحل الآخرون.


د. حسين عبد الله الراشد ناقد وباحث في الأدب العربي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مثل صخرة..بقلم الكاتب أيمن دراوشة

أتضحك؟ بقلم المبدع الأستاذ أشرف همام

عصفور عهد..بقلم د.طارق العرابي